بوابة الأمن

محكمة النقض تلغي حكم بطلان عضوية النائب خالد مشهور بالشرقية

الأربعاء 6 مايو 2026 08:51 مـ 19 ذو القعدة 1447 هـ
النائب خالد مشهور
النائب خالد مشهور

في واحدة من أضخم المفاجآت القانونية والتشريعية التي شهدتها أروقة المحاكم المصرية، سطرت الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض سابقة تاريخية أعادت صياغة المشهد البرلماني بالكامل. لم تكن مجرد جلسة عادية بدار القضاء العالي، بل كانت تجسيداً مهيباً لانتصار العدالة الإجرائية وكرامة "حق الدفاع"، بعدما قضت المحكمة بإلغاء حكم بطلان عضوية النائب خالد مشهور، لتقرر بطلان إجراءات عزله من البرلمان وإعادته إلى مقعده آمناً مستقراً، ملقنةً الجميع درساً بليغاً بأن العدالة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما هُضم حق شخص في الدفاع عن نفسه.

السابقة القضائية الأبرز: كواليس حكم "العدول" وتاريخية الجلسة

كشف المستشار ماهر ميلاد إسكندر، المحامي بالنقض ودفاع البرلماني خالد مشهور، عن صدور حكم استثنائي من الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض، يقضي بإبطال الحكم السابق الصادر ببطلان عضوية النائب خالد مشهور (عن المقعد الفردي بمحافظة الشرقية)، في الطعن الانتخابي رقم 10 لسنة 95 قضائية.

وجاء هذا التحول القانوني المثير عقب قبول الطلب المقدم من الدفاع، والذي ركز ببراعة على بطلان كافة الإجراءات القانونية التي شيدت عليها المحكمة حكمها السابق بعزل النائب. وتأسس الطلب على مبدأ دستوري وقانوني حتمي؛ وهو أن الحكم السابق صدر دون أن يتم اختصام النائب خالد مشهور شخصياً في صحيفة الطعن الأصلي، وهو ما يُعد عصفاً بأبسط قواعد العدالة التي تقضي بألا يضار شخص بحكم قضائي لم يُستدعَ للمثول أمامه ولم تتح له فرصة حماية مركزه القانوني.

كيف ينتقل المركز القانوني من "المرشح" إلى "النائب"؟

لتبسيط هذه المعركة القانونية المعقدة، وضع الدفاع ومحكمة النقض فصلاً حاسماً يفرق بين مرحلتين جوهريتين في عمر أي عملية انتخابية، وهما:

1. مرحلة ما قبل إعلان النتيجة

في هذه المرحلة، يكون الشخص مجرد "مرشح" يتنافس مع الآخرين، ويكون خصمه الطبيعي في أي نزاع هو جهة الإدارة (الهيئة الوطنية للانتخابات بصفته رئيسها)، لأن القرارات والإجراءات تصدر عنها مباشرة، وبالتالي يجوز توجيه الطعون إليها لإلغاء قرارات استبعاد أو تعديل كشوف.

2. مرحلة ما بعد إعلان النتيجة والفوز

بمجرد إعلان اللجنة العليا للانتخابات فوز مرشح معين، ينتهي مركزه كمرشح وينتقل قانوناً ودستورياً إلى مركز قانوني جديد ومستقل تماماً وهو "عضو مجلس النواب". هنا، تصبح العضوية البرلمانية المكتسبة هي محل النزاع والخصومة، ويصبح النائب الفائز هو الخصم الطبيعي والوحيد في الدعوى، ولا تمثله الهيئة الوطنية للانتخابات ولا تدافع عن مقعده. بناءً على ذلك، فإن توجيه الطعن بعد هذه المرحلة إلى الهيئة الوطنية للانتخابات دون إدخال النائب الفائز يعد توجيهاً للدعوى إلى "غير ذي صفة" ويقضي ببطلانها.

صرامة المواعيد: عيب إجرائي قاتل لا يمكن إصلاحه

أوضحت تفاصيل الحكم التاريخي أن إغفال اختصام النائب خالد مشهور في صحيفة الطعن ابتداءً يمثل "ولادة معيبة للخصومة" لا يمكن تداركها أو إصلاحها لاحقاً؛ حيث يقرر الفقه والقضاء المستقر أنه لا يجوز إدخال خصوم جدد في الطعن بعد انقضاء الموعد القانوني المحدد له.

وبما أن مواعيد الطعون الانتخابية هي مواعيد حتمية تتعلق بالنظام العام وتسقط بفواتها الحقوق، فإن محاولة إدخال النائب كخصم بعد فوات الميعاد القانوني تعد والعدم سواء، مما يوجب على المحكمة الحكم حتماً بعدم قبول الطعن شكلاً، دون التطرق لعرض موضوعه أو فحص ادعاءات الفرز والأصوات.

وقد استندت المحكمة في هذا القضاء الرادع إلى نص المادة 4 من قانون السلطة القضائية رقم 142 لسنة 2006، والتي تنظم آليات تشكيل الهيئة العامة لمحكمة النقض للفصل في تضارب المبادئ وتوحيد الاتجاهات القضائية، حيث قررت الهيئة بالعدول عن أحكامها السابقة تفعيلاً للمادتين 6 و7 اللتين تؤكدان أن مجلس النواب هو الموطن القانوني للنائب لإعلانه بالخصومة كخصم أصيل، وأن دور الهيئة الوطنية للانتخابات يقتصر فقط على تقديم المستندات والمحاضر دون أن تكتسب صفة الخصومة.

سياق تحليلي: هيبة الإجراءات واستقرار المراكز البرلمانية

يحمل هذا الحكم دلالات تحليلية عميقة تتجاوز عودة النائب خالد مشهور لمقعده بالشرقية، وترسل رسائل هامة للمشهد السياسي والقانوني بمصر:

  • إنهاء المماطلة الكيدية: يضع هذا المبدأ حداً للطعون العشوائية والكيدية التي تهدف لزعزعة استقرار المجالس النيابية وصوت الناخبين عبر ثغرات إجرائية يسهل تجنبها بالالتزام بنصوص القانون.
  • سيادة العدالة الإجرائية: يؤكد الحكم على وعي القضاء المصري بأن العدالة لا تتجزأ؛ فلا يمكن إقامة عدل موضوعي (كالبحث في صحة فرز الأصوات) بناءً على إجراءات باطلة أقصت صاحب الشأن وصادرت حقه الدستوري في المواجهة القضائية.
  • تأمين الثقة الشعبية: يرسخ الحكم ثقة المواطن في حياد ونزاهة القضاء، وصيانة إرادة الناخبين في الصناديق ضد أي إجراءات قانونية لا تلتزم بأعلى درجات الدقة والنزاهة الإجرائية.

بهذا القضاء البات والنهائي، يطوي البرلمان المصري صفحة واحدة من أعقد قضاياه القانونية، ليعود النائب خالد مشهور لممارسة دوره الرقابي والتشريعي تحت قبة المجلس ممثلاً لأبناء دائرته بالشرقية، متسلحاً بحكم تاريخي حصن مقعده للأبد.