حقيقة إحالة قانون معاشات المهندسين للدستورية العليا وحقوق الورثة في المتأخرات
بينما كانت أرملة تبحث عن ثمن الحياة بعد رحيل سندها، اصطدمت بجدار قانوني أصم داخل نقابة المهندسين يحرمها من "فتات" المعاش بسبب اشتراك لم يسدد. اليوم، انتصرت منصة القضاء الإداري للإنسانية، وأحالت النص "المثير للجدل" إلى المحكمة الدستورية العليا، لتفتح الباب أمام استرداد حقوق آلاف الأسر المنسية.
صرخة أرملة تزلزل أروقة "مجلس الدولة"
بدأت فصول هذه القضية الإنسانية والقانونية المعقدة داخل الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، في الدعوى التي حملت رقم 64025 لسنة 78 قضائية. بطلة القصة هي أرملة مهندس متوفى، وجدت نفسها في مواجهة قرار "صادم" من نقابة المهندسين برفض صرف معاش زوجها الراحل.
السبب؟ تأخر الزوج في سداد اشتراكات النقابة لأكثر من عامين قبل وفاته. ورغم أن الأرملة بادرت بسداد كافة المتأخرات والغرامات فور علمها، إلا أن النقابة تمسكت بنص "جامد" في نظامها الداخلي يمنع الصرف نهائياً في هذه الحالة. هذا الجمود دفع المحكمة للتوقف ملياً أمام عدالة هذا النص، معتبرة أن حرمان الورثة من حق تأميني واجتماعي بسبب "عثرة مالية" للمورث هو أمر يثير الريبة الدستورية.
المادة (164) تحت المجهر: هل تخالف الدستور؟
رأت المحكمة في حيثيات قرارها أن نص المادة (164) من النظام الداخلي لنقابة المهندسين ينطوي على شبهة "عدم دستورية" صارخة. فالمعاش ليس منحة أو تبرعاً، بل هو حق لصيق بالعدالة الاجتماعية التي كفلها الدستور المصري.
أبرز نقاط الاعتراض القانوني التي أوردتها المحكمة:
- الإخلال بمبدأ المساواة: لماذا يُحرم ورثة المهندس من حقهم بينما تُتاح فرص السداد والتسوية في أنظمة تأمينية أخرى؟
- الحق في الضمان الاجتماعي: الدستور يلزم الدولة بكفالة حقوق الضمان الاجتماعي، وحرمان الورثة بسبب تأخر السداد يفرغ هذا الحق من مضمونه.
- حماية الملكية الخاصة: المعاش المستحق يُعد جزءاً من الملكية الخاصة للورثة، ولا يجوز المساس به أو مصادرته لمجرد مخالفة إدارية تتعلق بتأخير السداد.
سياق تحليلي: صندوق معاشات المهندسين.. أرقام وحقائق
تكمن خطورة هذا النص القانوني في كونه يربط استحقاق الورثة الكلي بسداد العضو لاشتراكاته، وهو ما وصفته المحكمة بـ "التعسف".
- موارد الصندوق: وفقاً لقانون النقابة، فإن اشتراكات الأعضاء السنوية لا تمثل سوى جزء ضئيل من موارد صندوق المعاشات، حيث تعتمد النقابة بشكل أساسي على "دمغات الهندسة" والرسوم على المشروعات والمناقصات. لذا، فإن الحرمان الكلي بسبب مبلغ اشتراك بسيط يُعد عقوبة "غير متناسبة".
- البعد الإنساني: أشارت المحكمة إلى أن العضو قد يتعرض لظروف قهرية (مرض، بطالة، أو حوادث) تمنعه من السداد، ولا يجوز أن تمتد آثار هذه الظروف لمعاقبة أسرته من بعده.
- الأثر القانوني: بإحالة النص للدستورية العليا، تم "وقف نظر الدعوى تعليقاً". هذا يعني أن مصير آلاف المهندسين معلق الآن بكلمة الفصل من قضاة المحكمة الدستورية، الذين سيقررون ما إذا كان هذا النص سيبقى أم سيُلقى به في سلة المهملات القانونية.
مستقبل المعاشات النقابية في مصر
هذا القرار يمثل "سابقة قضائية" قد تمتد آثارها لتشمل نقابات مهنية أخرى تضع شروطاً تعجيزية لصرف المعاشات. فالمحكمة هنا تؤكد أن "الغاية من المعاش هي الحماية"، وأي نص يحول هذه الحماية إلى عقوبة هو نص فاقد للشرعية الدستورية.
إن إحالة القضية للمحكمة الدستورية العليا هي انتصار لمبدأ "روح القانون" على "حرفيته". فنحن أمام معركة قانونية هدفها الأول حماية "أيتام وأرامل" من ضياع حقوقهم في ظل ظروف اقتصادية طاحنة، والتأكيد على أن الانضباط الإداري في سداد الاشتراكات لا يمكن أن يكون ثمناً للجوع أو الحرمان من الحقوق الأساسية.
