الأحد 8 نوفمبر 2026 03:47 مـ 27 جمادى أول 1448 هـ
بوابة الأمن
×

سامر شقير: مصر تبني هامش أمان رغم خروج الأموال الساخنة

الأحد 8 نوفمبر 2026 10:43 صـ 27 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أرى في بيانات البنك المركزي المصري عن نهاية أكتوبر 2026 إشارة تتجاوز الرقم الإجمالي للاحتياطيات الدولية، وصول صافي الاحتياطيات إلى نحو 57.5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد، يعكس تحسنًا مهمًا في قدرة الاقتصاد على بناء هامش أمان خارجي، خصوصًا مع ارتفاع مكون العملات الأجنبية إلى 40.06 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2020.
لكن من وجهة نظري، لا تكمن أهمية البيانات في الزيادة الشهرية البالغة نحو 152 مليون دولار بقدر ما تكمن في قدرة الاحتياطي على الارتفاع في الوقت الذي شهد فيه السوق خروج استثمارات أجنبية من أذون الخزانة في السوق الثانوية بنحو 3.5 مليار دولار خلال أكتوبر، هذا التباين مهم؛ لأنه يوضح الفرق بين السيولة الهيكلية والتدفقات قصيرة الأجل، وهو أحد أهم المؤشرات التي ينبغي أن يراقبها المستثمر المؤسسي عند تقييم متانة الوضع الخارجي لمصر.

الاحتياطي يرتفع رغم خروج الأموال الساخنة
أرى أن استمرار بناء الاحتياطي رغم خروج جزء كبير من استثمارات المحافظ يمثل تطورًا أكثر أهمية من الزيادة الشهرية في حد ذاتها، فالأموال الساخنة تتحرك بسرعة استجابة لأسعار الفائدة العالمية وتوقعات سعر الصرف والمخاطر الجيوسياسية، بينما تحتاج التدفقات الهيكلية إلى وقت أطول حتى تظهر آثارها.
في المقابل، بلغت تحويلات المصريين العاملين في الخارج نحو 33.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، كما ارتفعت إيرادات قناة السويس في أكتوبر على أساس سنوي، ومع السياحة والصادرات ومصادر أخرى للعملة الأجنبية، ساعدت هذه التدفقات في دعم الاحتياطي وتعويض جزء من أثر خروج المحافظ وتراجع القيمة الدولارية للذهب.
لهذا أميل إلى اعتبار التطور الحالي خطوة في اتجاه تقليل حساسية الاحتياطي المصري للتقلبات المفاجئة في شهية المخاطرة العالمية، وإن كان من المبكر اعتبار هذا التحسن تحولًا نهائيًّا في هيكل التمويل الخارجي.

هامش الأمان يتسع
في تقديري، يوفر مستوى الاحتياطيات الحالي لمصر هامشًا أفضل لإدارة الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل مقارنة بالسنوات الماضية، وارتفاع مكون العملات الأجنبية إلى أعلى مستوياته منذ ما قبل الجائحة يمنح البنك المركزي مساحة أكبر للتعامل مع الصدمات المؤقتة في سوق الصرف.
وهنا أرى صلة واضحة بمفهوم «هامش الأمان» الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، فالمستثمر لا يبني قراره على افتراض أن الظروف ستظل مثالية، وإنما يبحث عن مساحة كافية تمتص الأخطاء والصدمات، وعلى المستوى الكلي، يمكن النظر إلى الاحتياطيات الأجنبية باعتبارها أحد أهم هوامش الأمان التي تسمح للاقتصاد بالتعامل مع تقلبات التمويل الخارجي دون اللجوء إلى إجراءات حادة.
لكن هذا الهامش لا يلغي الحاجة إلى زيادة الإيرادات المستدامة بالعملات الأجنبية، الاحتياطي القوي مهم، لكن مصادر تكوينه أكثر أهمية على المدى الطويل.

تخصيص رأس المال يتغير
من وجهة نظري، يعيد هذا المستوى من الاحتياطيات ترتيب طريقة نظر المستثمرين المؤسسيين إلى الأصول المصرية، خروج نحو 3.5 مليار دولار من استثمارات المحافظ خلال أكتوبر يوضح أن الأموال الساخنة لا تزال شديدة الحساسية للتغيرات في أسعار الفائدة العالمية وتوقعات العملة، لكن استمرار بناء الاحتياطي في الوقت نفسه يعطي إشارة مختلفة بشأن قدرة الاقتصاد على امتصاص هذه التحركات.
وهذا يدفعني إلى تفضيل الاستثمار الذي يرتبط بالتدفقات الحقيقية على الرهان الكامل على عوائد أدوات الدين المحلية، قطاعات مثل السياحة والبنية التحتية والتصدير والخدمات القادرة على توليد العملة الأجنبية قد تصبح أكثر جاذبية إذا استمر تحسن السيولة الخارجية واستقرت التوقعات.

التدفقات الحقيقية أهم من عودة الأموال الساخنة
أرى فرصًا نسبية في القطاعات التي تستفيد مباشرة من تحسن تدفقات العملة الأجنبية، لكنني في الوقت نفسه أتعامل بحذر مع أي تقييم يقوم على افتراض عودة الأموال الساخنة بصورة دائمة.
عودة استثمارات المحافظ قد تمنح السوق دعمًا سريعاً، لكنها ليست بديلًا عن تحسن الحساب الجاري أو زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، ولذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة لي ليس كم مليار دولار يمكن أن تدخل السوق خلال شهر أو ربع سنة، وإنما هل تستطيع مصر بناء منظومة مستمرة لتوليد العملة الأجنبية من النشاط الاقتصادي الحقيقي؟
وكما يشير مورغان هاوسل في The Psychology of Money، فإن القدرة على تحمل التقلبات جزء أساسي من النجاح الاستثماري طويل الأجل، وفي الحالة المصرية، يعني ذلك أن المستثمر المؤسسي يحتاج إلى التمييز بين تقلبات رأس المال قصيرة الأجل وبين الاتجاه الحقيقي للتدفقات الأساسية.

فرصة للمستثمر طويل الأجل
أفضِّل في هذه المرحلة أن يركز المستثمرون في مصر على مؤشرات أوسع من الاحتياطي لدى البنك المركزي، وفي مقدمتها تطورات صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحويلات العاملين، وإيرادات السياحة وقناة السويس والصادرات.
إذا استمرت هذه التدفقات في التحسن، فإن ارتفاع الاحتياطي يصبح انعكاسًا لقوة أكبر في الحسابات الخارجية، وليس مجرد نتيجة لتدفق تمويلي مؤقت، أما إذا عاد الاقتصاد إلى الاعتماد بصورة أكبر على التمويل قصير الأجل، فقد يظل مستوى الاحتياطي مرتفعًا اسميًّا، لكن جودة هذا الاحتياطي ستكون أقل أهمية من مصادر تمويله.

مصر والخليج.. فرصة لتنويع رأس المال
على مستوى أوسع، يمكن لتحسن الوضع الخارجي المصري أن يعيد فتح مساحة أكبر أمام الاستثمارات الخليجية، خصوصًا من الصناديق السيادية والمؤسسات التي تبحث عن فرص تنويع خارج أسواقها المحلية.
لكنني أرى أن جذب هذا النوع من رأس المال يحتاج إلى أكثر من تحسن الاحتياطي، المستثمر المؤسسي طويل الأجل يبحث عن وضوح في السياسات، واستقرار في سعر الصرف، وتحسن في بيئة الأعمال، وقدرة واضحة على تحقيق عوائد مستدامة، لذلك فإن الاحتياطي المرتفع يجب أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح أوسع، وليس بديلًا عنه.

السيناريو الأقرب.. احتياطي أقوى وتقلبات مستمرة
إذا استمرت تحويلات العاملين وإيرادات قناة السويس والسياحة والصادرات في التحسن، فأعتقد أن الاحتياطي يمكن أن يحافظ على مساره الصعودي، مع إمكانية حصوله على دعم إضافي من أي تدفقات مرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي.
لكنني أتوقع في الوقت نفسه استمرار التذبذب في استثمارات المحافظ، فهذه الأموال ستظل مرتبطة بالسياسة النقدية العالمية وتوقعات العملة ومستوى المخاطر في الأسواق الناشئة، وبالتالي، قد نشهد بيئة يرتفع فيها الاحتياطي تدريجيًا رغم فترات خروج الأموال الساخنة.
أما الخطر الحقيقي فيتمثل في تباطؤ التدفقات الهيكلية، لأن ذلك قد يعيد زيادة الاعتماد على التمويل قصير الأجل ويرفع تكلفة المخاطر على الأصول المصرية.

الاحتياطي ليس الهدف.. بل هامش الأمان
في النهاية، أرى أن وصول الاحتياطي الأجنبي المصري إلى 57.5 مليار دولار وارتفاع مكون العملات الأجنبية إلى 40.06 مليار دولار يمثلان تحسنًا ملموسًا في هامش الأمان الخارجي للاقتصاد.
لكنني لا أتعامل مع الرقم القياسي باعتباره نهاية القصة، القيمة الاستثمارية الحقيقية تكمن في قدرة مصر على تحويل هذا الهامش إلى قاعدة أكثر استدامة من تدفقات العملة الأجنبية، بحيث يصبح الاحتياطي نتيجة لقوة الاقتصاد الخارجي وليس مجرد وسيلة للتعامل مع اختلالاته.
بالنسبة للمستثمر المؤسسي، هذا يعني إعادة تقييم الأصول المصرية على أساس تحسن المرونة الكلية، مع الإبقاء على الحذر تجاه تقلبات رأس المال قصير الأجل، وفي تقديري، يظل المعيار الأهم لتخصيص رأس المال هو القدرة على توليد التدفقات الحقيقية والاستدامة، لا مجرد ارتفاع العائد أو تسجيل الاحتياطي مستوى قياسيًّا.