الجمعة 6 نوفمبر 2026 01:10 مـ 25 جمادى أول 1448 هـ
بوابة الأمن
×

سامر شقير يكتب: الكونجرس والاختراقات يهددان طفرة العملات المشفرة.. والخليج يترقب الفرص

الجمعة 6 نوفمبر 2026 11:30 صـ 25 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم تعد سوق العملات المشفرة تواجه تحدي تقلب الأسعار وحده، بل أصبحت محاصرة بثلاثة ضغوط متزامنة: التحولات السياسية في الولايات المتحدة، وتشديد الرقابة التنظيمية، وتصاعد الاختراقات السيبرانية المرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي، وأرى أن تعافي بتكوين بعد هبوطها إلى أدنى مستوياتها في نحو سبعة أسابيع، عقب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، يكشف عن سوق تحاول إعادة ترتيب أولوياتها أكثر من كونها تستعد لانطلاقة صعودية جديدة.
فقد تراجعت بتكوين مع ظهور النتائج الأولية إلى مستويات قرب 75 ألف دولار، قبل أن تستعيد معظم خسائرها وتتداول قرب 78 إلى 80 ألف دولار، بالتزامن مع تعافي العقود الآجلة للأسهم الأمريكية وتراجع الدولار، ومن وجهة نظري، يعكس هذا التعافي توقعات بحدوث جمود سياسي يحد من التحولات التنظيمية الجذرية، وليس بالضرورة تحولا نحو تفاؤل تشريعي جديد.

الكونجرس الأمريكي يضع التشريعات تحت الاختبار
أرى أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس تفتح مرحلة جديدة أمام صناعة الأصول الرقمية، بعدما كانت الإدارة الأمريكية السابقة تتبنى نهجًا أكثر دعمًا للعملات المشفرة.
فالديمقراطيون يميلون تقليديًّا إلى رقابة أكثر تشددًا، وهو ما قد يؤخر تمرير تشريعات مهمة، من بينها مشروع قانون هيكلة سوق الأصول الرقمية الذي كان المستثمرون ينظرون إليه باعتباره خطوة نحو توفير وضوح تنظيمي أكبر.
وتكمن المشكلة في أن المؤسسات الاستثمارية الكبرى تحتاج إلى قواعد مستقرة تتعلق بالاحتفاظ بالأصول الرقمية والوصاية عليها وتسويتها قبل ضخ رؤوس أموال واسعة النطاق، وبالتالي، فإن إطالة المسار التشريعي قد تؤجل دخول شريحة إضافية من المستثمرين المؤسسيين.

اختراق بينانس يكشف الوجه الآخر للمخاطر
بالتوازي مع الضغوط السياسية، لا تزال السوق تواجه تداعيات اختراق منصة بينانس، الذي قدرت خسائره بنحو 6.3 مليار دولار، وكشف عن مخاطر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والهجمات القائمة على الهندسة الاجتماعية.
وأرى أن خطورة هذه الواقعة تتجاوز سوق العملات المشفرة، لأنها تطرح تساؤلات حول أمن البنية التحتية الرقمية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي دون ضوابط واختبارات كافية.
وهنا تبرز أهمية التمييز الذي طرحه دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow بين التفكير السريع والتفكير البطيء، فبينما تدفع الأخبار السياسية والاختراقات المستثمرين إلى ردود فعل فورية، يحتاج تخصيص رأس المال المؤسسي إلى تحليل أعمق للمخاطر والاحتمالات طويلة الأجل.

رأس المال يوازن بين العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي
ألاحظ وجود انفصال نسبي بين التدفقات الاستثمارية للأفراد والمؤسسات؛ إذ تراجع حماس المستثمرين الأفراد، وظهرت ضغوط على صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة ببتكوين، بينما أصبح الطلب المؤسسي أكثر انتقائية.
وفي الوقت نفسه، تتنافس الأصول الرقمية مع التدفقات المتزايدة نحو الذكاء الاصطناعي، الذي يستقطب اهتمامًا واسعًا من رؤوس الأموال العالمية.
ولا يعني ذلك تراجع أهمية بتكوين باعتبارها أصلًا رقميًّا مختلفًا عن الأدوات التقليدية، لكنه يفرض إعادة تقييم حجم التخصيص لها في المحافظ الاستثمارية.
وأفضل أن يحتفظ المستثمرون المؤسسيون بحصة محدودة ضمن محافظ متنوعة، مع تفضيل أدوات الاستثمار المنظمة حيثما تتوفر، والابتعاد عن التركيز المفرط على منصات التداول المركزية دون تنويع أمني كاف.
كما أرى فرصًا في الشركات التي تطور بنية تحتية آمنة للأصول الرقمية، أو تدمج تقنيات البلوك تشين مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموثوقة.
ويتوافق ذلك مع مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، والذي يتطلب في هذه السوق اختبارات أمنية أعمق، ووضوحًا تنظيميًّا أكبر، وتقييمًا واقعيًّا لاحتمالات خروج السيولة.
الفرص الخليجية ورؤية 2030
بالنسبة للاقتصاد السعودي والخليجي، أرى أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي في إطار رؤية 2030 يفتح فرصًا مهمة للاستثمار في البنية التحتية الآمنة لتقنيات البلوك تشين والذكاء الاصطناعي.
وقد تكون هذه الاستثمارات أكثر استقرارًا على المدى الطويل من الاعتماد على التداول المضاربي للعملات المشفرة، خاصة مع تزايد اهتمام الصناديق الاستثمارية الخليجية ببناء قدرات رقمية محلية.
كما أن تداخل مخاطر الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يجعل الاستثمار في حلول الحماية والحوكمة الرقمية مجالًا يستحق اهتمامًا متزايدًا.

مستقبل بتكوين واختبار الانضباط الاستثماري
تتراوح السيناريوهات المقبلة بين استمرار التعافي التدريجي إذا ساهم الجمود السياسي في الحد من التغييرات التنظيمية الحادة، وعودة الضغوط إذا تسارعت الإجراءات الرقابية أو تكررت الاختراقات الكبرى.
وفي تقديري، قد تظل بتكوين في نطاق تداول يعكس التوازن بين المخاطر السياسية والأمنية من جهة، والطلب المؤسسي الانتقائي من جهة أخرى.
ويؤكد مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money أن النجاح المالي يرتبط بالانضباط وإدارة السلوك أكثر من القدرة على التنبؤ الدقيق بالمستقبل، ولذلك، فإن المستثمرين في 2026 يحتاجون إلى مقاومة الاندفاع وراء موجات الحماس الرقمي والذعر التنظيمي.
وأرى أن المرحلة المقبلة ستكافئ المستثمر القادر على الجمع بين فهم التشريعات والأمن السيبراني وتطورات الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على هامش أمان واضح وتنويع مدروس للمحافظ، فالمستقبل لن يكون بالضرورة للأكثر اندفاعًا نحو العملات المشفرة، بل للأكثر قدرة على إدارة مخاطر الاقتصاد الرقمي.